الزركشي

174

البحر المحيط في أصول الفقه

قلت : وبالجملة فالقول بالجواز مطلقا هو الأشبه وقد قال بكل منهما بعض أصحابنا وليس في ذلك عن الشافعي شيء نقطع به والظاهر أنه أشار به إلى وجه الحكمة في النسخ والصحيح الجواز لأن النسخ للابتلاء وقد يكون لمصلحة تارة في النقل إلى ما هو أخف وتارة أشق . الثالث : نسخ التخيير بين أمرين بتعيين أحدهما وهو راجع إلى النسخ بالأثقل كالذي كان في صدر الإسلام بين التخيير في صوم رمضان بالفدية والصيام بقوله وعلى الذين يطيقونه فدية الآية ثم نسخ بقوله فمن شهد منكم الشهر فليصمه . وينقسم باعتبار آخر إلى ما سقط وجوبه إلى الندب كنسخ ثبات الواحد للعشرة إلى ثباته للاثنين فكان ثباته للعشرة مندوبا ونسخ وجوب قيام الليل فجعل ندبا وإلى ما سقط وجوبه إلى الإباحة كترك المباشرة بالليل للصائم بعد النوم إلى ما سقط تحريمه إلى الإباحة كزيارة القبور وادخار لحوم الأضاحي . مسألة يدخل النسخ في جميع الأحكام الشرعية يدخل النسخ في كل حكم شرعي خلافا للمعتزلة فيما حسنه وقبحه ذاتي أو لازم له كالظلم والكذب ووافقهم الصيرفي كما رأيته في كتابه فقال الأشياء في العقود على ثلاثة أضرب : أحدها واجب لا يجوز النهي عنه وهو الاعتراف للمنعم بالإحسان وللخالق بالتعظيم واعتقاد توحيده . والثاني : محظور لا تجوز إباحته كإباحة الكذب والظلم ونحوه . والثالث : ما يجوز أن يأتي العباد به ويجوز أن لا يأتوا وهذا هو الذي يقع فيه النسخ كالصلاة والصيام والزكاة ونحوها لأن النهي عنه والأمر به لا يدفعه العقل فجاز أن يوقعه الله في زمان دون زمان وفي مكان دون مكان لأنه يجوز أن لا يأتي به البتة ولا يقع النسخ في غير ذلك ولا يجوز أن يقع النسخ في التوحيد ولا في صفة من صفاته هذا لفظه .